التحكيم في ظل التعديلات القانونية الأخيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة

التحكيم في ظل التعديلات القانونية الأخيرة

لدولة الإمارات العربية المتحدة

 

ماهية التحكيم وتعريفه : ـ

التحكيم : هو أحد الطرق البديلة لتسوية النزاعات، والذي يمكن من خلاله للأشخاص الاتفاق على الفصل في الخلافات التي تنشأ بينهم بواسطة أفراد محايدين بدل اللجوء إلى المحاكم، ويتم الاتفاق على شرط التحكيم مسبقا ًفي العقد المبرم بين الطرفين ” المتنازعين ” بشكل خطي مكتوب ويسمى بشرط التحكيم أو مشارطة تحكيم، ومن ضمن العبارات التي تستخدم في صياغة شرط التحكيم أنه ” يتفق الأطراف عند حصول أي نزاع يتعلق بتفسير أو تأويل أو تنفيذ هذه الاتفاقية على اللجوء إلى التحكيم للفصل فيما قد ينشئ بينهم من نزاعات “.

لذا، اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات واسعة في إعداد قانون متضمن كافة الضوابط المتعين اتباعها في التحكيم، من خلال المرسوم بقانون رقم 15 لسنة 2023.

 

أبرز الفروقات بين التحكيم والقضاء : ـ

    • المؤسسات القضائية هي مؤسسات رسمية في الدولة، أما التحكيم فيكون لدى أفراد أو جهات غير رسمية تنشأ لغرض إدارة عملية التحكيم، بل أحيانا ًتكون مؤسسات أجنبية على الدولة وغير كائنة بأراضيها. 
    • لا يمكن للمتقاضين أمام القضاء اختيار قاض ٍمُسمى للفصل في دعواهم، على عكس التحكيم يكون لهم الحق في اختيار المُحكمين للفصل في النزاع. 
    • القضاء هو صاحب الاختصاص الولائي الأصيل في نظر كافة الدعاوى والنزاعات المعروضة عليه، والفصل فيها وفقا ًلقانون الدولة، أما اللجوء إلى التحكيم ليس حقا ًمُقررا ًلكافة الأفراد دون اتفاق مسبق فضلا ًعن أنه لا يجوز اللجوء للتحكيم لحل جميع النزاعات، إذ أن هناك نزاعات لا يُمكن للتحكيم الفصل فيها. 
    • يمكن تنفيذ حكم القضاء بمجرد تذييله بالصيغة التنفيذية فور صيرورته نهائيا ً، أما حكم التحكيم فإنه يتعين التصديق عليه من قبل قضاء الدولة قبل تنفيذه. 
    • لا يُمكن للأطراف الاتفاق فيما بينهم على رد القاضي من نظر الدعوى إلا بشروط، بينما التحكيم فإنه يحق للأطراف عند بدء عملية التحكيم أن يتفقا على رد المحكم وتغييره. 
    • الأصل في جلسات الدعاوى أمام القضاء علنيتها بحضور من لهم حق الحضور غير القضاة، بينما الأصل في جلسات التحكيم سريتها بحضور أفراد مُعينة حصرا ً.

إلا أنه ما الذي قد يدفع الأطراف أو الأشخاص للاتفاق على شرط التحكيم، بدلا ًمن الالتجاء إلى القضاء العادي صاحب الولاية العامة في الفصل في النزاعات : ـ

 

خصائص ومميزات نظام التحكيم : ـ

ينفرد التحكيم بالعديد من المميزات، منها أنه قضاء بأجر، ويُمكن تحديد جلساته برغبة الأطراف، وخلافه من المزايا التي نستعرضها تاليا ً: ـ

    • يعتبر نظام التحكيم واحد من أسرع طرق فض المنازعات والخصومات بين الأطراف نسبيا ً، حيث أنه لا يتطلب مواعيد ولا ارتباطات بساعات العمل الحكومي، كما أنه يراعي أطراف النزاع باختيار المواعيد المناسبة لهم، للإسراع في إنهاء خصومتهم. 
    • يُتيح التحكيم الحرية للأطراف باختيار المحكم أو هيئة التحكيم.
    • يتميز التحكيم بمرونة أكبر في اختيار النظام والقوانين التي يحتكم إليها الأطراف، إذ يُمكن للمتنازعين الاتفاق على قانون أي دولة غير الدولة التي يجري فيها التحكيم وفقا ًللاتفاق بينهم، بما لا يخالف الشريعة والنظام العام لدولة التحكيم.

 

عيوب التحكيم : ـ

كما سلف وأن أظهرنا ميزات وخصائص التحكيم، فإن للتحكيم بعض العيوب التي قد لا تجعله الطريق الأمثل لحل بعض النزاعات، ولعل أبرزها الآتي : ـ  

    • التكلفة : يتصف التحكيم عادة بأنه طريق مكلف لحل النزاعات لارتفاع رسومه ومصروفاته الإجرائية الخاصة بمراكز التحكيم وما يتعلق برسوم المحكمين كذلك، وذلك على عكس محاكم الدولة التي تكون في العادة متناسبة مع كافة الأطراف، بل نجد أن المشرع الإماراتي قد يعفي بعض الدعاوى من الرسوم أو يؤجلها في حال وجود أسباب جدية تبرر ذلك، إضافة إلى أن بعض أنواع الدعاوى يتم نظرها في حالات معينة دون رسوم.
    • المصداقية الأعلى للقضاء وعدم الانـحياز : حيث يتميز القضاء بالرصانة وضمان تطبيق القانون وحصول الخصوم على حقهم بخلاف التحكيم في بعض الحالات التي لا يضمن فيها تحقيق العدالة، إذ هناك العديد من الحالات التي يوجد فيها تحيز من بعض المحكمين إلى أحد الأطراف.
    • قصور العلم القانوني لبعض المحكمين، أو الكفاءة اللازمة للفصل في النزاع، وهو ما يُعد من الأمور الهامة التي يمكن أن تُؤثر سلبا ًعلى الفصل في الحقوق بين الأطراف.

ورغم إمكانية تلافي تلك العيوب في مواضع عديدة إلا أن المتنازعين قد يروا أن اللجوء إلى القضاء هو الحل الأمثل لضمان الحصول على حقوقهم.

 

الأخطاء الشائعة في التحكيم : ـ   

هناك عدد من الأخطاء الشائعة وكذلك القصور في صياغة شرط أو مشارطة التحكيم من قبل الأطراف، والتي منها على سبيل المثال ما هو آت : ـ

    • أن يقوم الأطراف بصياغة شرط التحكيم في العقد أو الاتفاقية بصورة عامة ومبهمة في مفادها، كأن يتم صياغته نصا ً ” إحالة أي نزاع ينشأ عن تنفيذ هذا العقد إلى التحكيم “ وذلك على إطلاقه دون تحديد للقوانين التي يتعين تطبيقها على النزاع، ودون بيان أو ذكر الجهة التي ستتولى الفصل في التحكيم هيئة كانت أو أفراد ً، بما يُعد معه قصور في إحكام عملية التحكيم. 
    • إضافة الأطراف شرط التحكيم في ملحقات العقد أو الاتفاقية دون قيامهم بالتوقيع على هذه الملحقات معتبرين أنها جزءً من العقد ومكملة له، وهو ما يُبطل شرط التحكيم في حال الاعتراض عليه من قبل أحد الأطراف. 
    • إضافة بند في الاتفاق على شرط التحكيم يستحيل تنفيذه، كأن يتم تعيين مُحكّم محجور عليه أو قاصر أو محروم من حقوقه المدنية بسبب إشهار إفلاسه.
    • اتفاق الأطراف على تطبيق قوانين تتعارض مع النظام العام للدولة المطلوب تنفيذ الحكم بها، وبالتالي يُعرّض حكم التحكيم لعدم إمكانية تنفيذه.

 

إجراءات التـحكيم : ـ

كما سلف ذكره، فإن إجراءات التحكيم تبدأ بالاتفاق المكتوب في العقد بين الأطراف أو من خلال مشارطة التحكيم، وفي حال أقيم أي نزاع ينشأ بين أطراف ذلك العقد أمام محاكم الدولة فإنه يتعين أن تقضى فيه بعدم الاختصاص لوجود شرط التحكيم.

وفي كل الأحوال، وفي حال لم يتم الاتفاق على إجراءات التحكيم يكون الأصل فيها وضوابطها وشروطها لما ورد بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 15 لسنة 2023.

 

إخلال أحد الأطراف بشرط التحكيم ولجوؤه للقضاء العادي :

يتعين التمسك بشرط التحكيم أمام المحكمة قبل إبداء أي من الدفوع أو الرد على أي من الطلبات وإلا يعتبر التحدث في موضوع الدعوى تنازلا ًعن شرط التحكيم وبالتالي يكون القضاء العادي هو صاحب الاختصاص في نظر الدعوى.

 

تنفيذ حكم التحكيم وحكم القضاء :

يتعين على من يرغب في تنفيذ حكم التحكيم أن يتقدم بطلب مصادقة على حكم التحكيم، والأمر بتنفيذه إلى رئيس المحكمة المختصة ” بموجب أمر على عريضة “، على أن يُرفق به : –

أصل الحكم، نسخة من الاتفاق على شرط أو مشارطة التحكيم، ومن محضر إيداع الحكم بالمحكمة، حيث يتولى رئيس المحكمة أو من ينوبه الأمر بالمصادقة على حكم التحكيم وتنفيذه خلال 60 يوما ًمن تاريخ طلب التصديق، ما لم يكن هناك سبب لبطلان حكم التحكيم وفقا ًللحالات الواردة بالمرسوم بقانون رقم 15 لسنة 2023.

أما بشأن تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء الولائي، فلا يلزم الأمر سوى تذييل الحكم بالصيغة التنفيذية، ومن ثم التوجه إلى محكمة التنفيذ بفتح ملف تنفيذ على الطرف الصادر بحقه الحكم، ومن ثم مباشرة إجراءات التنفيذ.

 

تطبيقات من الواقع العملي على التمسك بشرط التحكيم : ـ

نظرا ًلأهمية التحكيم، وما يُشكله من مسار موازي للقضاء الولائي، واعتباره سبيل هام للفصل في النزاعات القائمة بين الأطراف وخاصة النزاعات التجارية حيث يكثر الاتفاق فيها بينهم على إحالة أي نزاع ينشأ عن تنفيذ العقود إلى التحكيم.

إلا أنه متى لجأ أي من أطراف العقد رغم شرط التحكيم إلى القضاء الولائي فإن للطرف الآخر ” المدعى عليه ” وقبل إبداء أي دفاع أو التطرق لموضوع النزاع التمسك بشرط التحكيم أمام الدائرة التي تنظر النزاع ليحول دون نظرها من قبل القضاء.

 

وقد شهد مكتبنا/ عبداللطيف الجسمي للمحاماة والاستشارات القانونية عدد من القضايا مثالا ًعلى ذلك، ولعل أبرزها ما لحق بأحد المتقاضين حال انتداب المحكمة خبيرا ًلنظر نزاع تجاري قائم بين أطراف عقد تجاري، وحددت الخبرة المنتدبة موعدا ًللإجتماع الأول مع المتقاضين لنظر النزاع، حيث صادف أنه الحضور الأول للمدعى عليه في الدعوى بعد إعلانه، والذي أبدى فيه المدعى عليه اعتراضه على الدعوى وموضوعها، وما ساقه الطرف الآخر من دفوع دون أن يتمسك قبل إبداءه جوابه بعدم اختصاص المحكمة ولائيا ًبنظر النزاع لوجود اتفاق مُسبق على التحكيم.

إلا أنه، في الاجتماع التالي للخبرة أبدى المدعى عليه تمسكه بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لوجود شرط التحكيم، إلا أن المحكمة حال نظرها الدعوى وتبينها عدم تمسك المدعى عليه بشرط التحكيم قبل التحدث في موضوع الدعوى قضت باختصاصها الولائي، وفصلت في الموضوع.

وجاءت المحكمة في أسباب قضاءها في ذلك الشق بأن تطرق المدعى عليه لموضوع الدعوى في الاجتماع الأول للخبرة قبل الدفع بشرط التحكيم هو تنازل ضمني عن حقه في اللجوء للتحكيم.

لم يرتض المدعى عليه قضاء المحكمة في ذلك الشق، فاستأنف الحكم، وجاءت في أسباب لائحته أن ما أبداه من دفاع في الاجتماع الأول للخبرة لم يتعدى كونه تعليقا ًعلى موضوع الدعوى، وطلب مهلة للاطلاع على ما قدمه المدعي من مستندات، وأصدرت محكمة الاستئناف قضائها بعدم الاختصاص بنظر الدعوى لوجود شرط التحكيم باعتبار أن حضور المدعى عليه الاجتماع الأول للخبرة صادف أنه أول حضور له في الدعوى ولم يكن على علم بحقيقتها.

إلا أن محكمة التمييز بدبي نقضت الحكم المطعون فيه، واعتبرت أن إبداء المدعى عليه تعليقه وجوابه على ما ساقه المدعي في الاجتماع الأول للخبرة قبل تمسكه بشرط التحكيم هو تنازل منه عن شرط التحكيم وقبوله ضمنيا ًانعقاد الاختصاص للقضاء بنظر النزاع والفصل فيه،

الأمر الذي يتبين منه جليا ًأن الفاصل في المثال السابق بين نظر الدعوى ولائيا ًأمام القضاء أو من خلال التحكيم هو وقت طرح الدفع بشرط التحكيم والذي يجب أن يكون قبل إبداء المدعى عليه لأي جواب على موضوع الدعوى.

 

ختاما ً، ونظرا ًلأهمية التحكيم وما يُمثله من خيار فعال في الفصل في النزاعات، فأن في اختيار حل النزاع من خلاله قد يُعد قرارا ًاستراتيجيّا ًللأطراف لتسوية الخلافات التي تنشأ بينهم، مما يتعين الإلمام بكافة جوانبه القانونية تحسبا ًلمخالفة تلك الركائز الأساسية التي تحكم الإجراءات والقواعد القانونية للتحكيم.